باب الديكورات

الإنسان والمكان

الإنسان يصنع المكان أم العكس؟ نحيا داخل الأماكن أم الأماكن تحيا داخلنا..!

ترتبط ذاكرة الإنسان بالأماكن التى مر بها وعاش فيها فتسكنه هذه الأماكن مثلما سكنها وحل فيها.


لذا فإن علاقة الإنسان بالمكان علاقة أزلية ، أبدية بلا جدال كلاهما يؤثر على الآخر ويتأثر به.

الإنسان غير شكل الأماكن منذ القدم – وحتى الآن- بدل ملامحها بما يتواءم مع تطوره وتعاظم احتياجاته يوماً بعد يوم، فمنذ أن كان الإنسان بدائياً يشعر بالضعف تجاه الكون والطبيعة، وهو يحاول أن يخلق بيئة محيطة تشعره بالأمان والحماية، وكان المسكن والبناء أولى هذه الصور التى مرت بطور عدة أختلف فيها شكل البيوت والأماكن والمدن مع مرور الزمن... من سكنى الكهوف إلى الخيام والترحال من مكان إلى أخر.. إلى الاستقرار وبناء منازل من الطمى والحجر.. وصولاً لفكرة الاتساع الرأسي وبناء المنازل المتينة المستقرة ذات الطوابق...

ومنذ الأمس القريب تخرج العمارة عن أشكالها التقليدية لتصبح أعمالاً فنية بأشكال غير تقليدية وخامات أكثر خفة وصلابة مثل الألياف الصناعية والعجائن وغيرها... والآن يفكر العالم المتقدم كيف سيكون شكل المدن في المستقبل؟

كذلك فإن الأماكن والبيئة المحيطة تطبع الإنسان بطابعها الإنسان الذى ينشأ فى المدينة أو الحضر يتميز بطباع غير الشخص الريفي أو الساحلي أو الذى يحيا فى الصحراء وهى طباع في التركيبة الشخصية بخلاف أسلوب الحياة أيضاً... إننا نتأثر – بلا جدال- بالأماكن التى تحتوينا ونعيش فيها، لذا لزم علينا التفكير بشكل معاكس من أجل أجيال قادمة، وهى كيف نصيغ البيئات والأماكن التى نحيا فيها ويحيا فيها أولادنا فحفاظنا على البيئة لم يعد رفاهية بل إنه مطلب إنسانى عادل للأجيال القادمة .

تخيلوا الطفل الذى يخرج من منزله لشارع مليء بأكوام القمامة ، يخلو من لمسة جمالية، يذهب لمدرسته لا يعبأ بالمكان وبنظافته ،هذا ما حمله معه فى طريقه.


بخلاف طفل آخر قد زرع زرعة ويرعاها بمنزله، لن يستطيع بعد ذلك أن يفسد حديقة مدرستة أو تلويثها.

نمطان مختلفان من منطق الحياة.

أيهما نبغى لأطفالنا، ولحياتنا؟ علينا الآن أن نقرر.....

هذا الارتباط الوثيق –وما يدور حوله– هو ما دفع العديد من الهيئات والجهات المهتمة بالعمران أن تطرح وتناقش مشاكل ومستقبل المدينة التى نحيا بها والتى تزداد يوماً بعد يوم ،فأضحت ملوثة بصرياً وبيئياً ،وأصبحت الأجيال  القادمة مهددة بالنشوء فى بيئة غير صالحة، تخلو من  التناسق الجمالى والتوازن البيئى. مساحات الخضرة تتلاشى من مدننا وحياتنا وهى الرئة التى نتنفس بها على سطح الكرة الأرضية ، وتتلاشى مساحات الجمال ،و ينشأ أطفالنا معتلين صحياً فاقدي التمييز الجمالي..  إلى أين نتجه؟ ! 

والغريب أننا نفعل هذا بأنفسنا.

وصل تعداد مصر إلى 72 مليون نسمة ومن المتوقع أن يصل الى 84 مليون عام 2017  وإلى حوالى 120 مليون عام 2050. تلك الزيادة أدت إلى طغيان العمارة العشوائية وغير المخططة  على الأراضى الزراعية، ففقدت مصر خلال النصف قرن الماضى حوالى 1.75 مليون فدان ولازالت تمتد بمعدل 60 ألف فدان سنوياً،  مما يعنى أن الأراضى الزراعية ستختفى تماماً بوادى النيل خلال خمسين سنة. والأغرب أن سطح  العمران المصرى يمثل أقل من 4% من مساحة مصر أى أن 96% من مساحة مصر لازالت غير مستغلة، منها حوالى 34%قابلة للتعمير... لوجود مصادر مياه  متاحة بها.

والآن... مدينة القاهرة العامرة... مدينة التاريخ والألف مئذنة... أصبحت على قمة مدن العالم الأكثر تلوثاً وضجيجاً  وماذا بعد......
                                                                                                                                                                    أمين الصيرفى