باب ملف العدد - تراث قاهرة المعز يبعث من جديد - بقلم صابرة مصطفى

لقاهرة مملكة آثار الشرق وفاتنة العرب وحاضنة عبق التاريخ، وهى أيضاً مزيج حضارات توالت وتركت بصمات شكلت لها شخصية بين البلدان والمدن.

بدأ مشروع ترميم وإصلاح الآثار والأماكن التاريخية بمدينة القاهرة بعد زلزال‏1992, وقد ساهمت عدة جهات في تطوير قاهرة المعز وأهمها وزارة الثقافة التي تقوم بترميم هذه الآثار الهامة.‏ ودور الحكومة هنا هو التنسيق بين الجهات العديدة. حيث تمتلك ‏محافظة القاهرة 544 أثراً مسجلاً تم خلال الفترة من زلزال‏1992‏ وحتى الآن ترميم ‏70 أثراً منها،أهمها باب زويله الذي تحول إلي متحف للفن الإسلامي ومسجد علي زين العابدين بتكلفة ‏12‏ مليون جنيه ومسجد السيدة فاطمة النبوية بتكلفة‏11‏ مليون جنيه ويجري حالياً ترميم ‏103‏ أثراً من أهمها مسجد السيدة سكينه والسيدة رقيه وسور القاهرة الشمالي وتطوير المنطقة المحيطة بشرق باب النصر بتكلفة ‏21‏ مليون جنيه بالإضافة إلي الآثار التي يتم ترميمها وأهمها قلعة قايتباي بشارع النصر. أيضاً تم ترميم بعض من الآثار الهامة بالقاهرة وجارى ترميم الباقي كي تعود القاهرة إلي مكانها المعهود بجمالها وفتنتها إلى الساحة العربية.

والأماكن التاريخية والأثرية أهمها:
قصور الأسرة العلوية
والقصور هي «قصر شبرا، وقصر محمد علي الصغير، وقصرالجوهرة،وقصر الحرم» وبعض هذه القصور يخضع لمؤسسة الرئاسة المصرية، والبعض الآخر لا يزال يعاني من التعديات والإهمال، لعدم ترميمه، نتيجة عدم تسجيله أثرياً!.

ومن هذه الأخيرة ذلك القصر الذي بناه أبن محمد علي
«إبراهيم باشا» المعروف بقصر القبة، وآخر له في جزيرة الروضة، عرف بقصر المغارة، وبنى عباس قصراً بالخرنفش، آل فيما بعد إلى أسرة البكري، ولم يبق منه الآن سوى مدخله، وقد أقيمت على أرضه مدرستان.

وهو من بين القصور التي أصبحت تستقبل زائريها من المصريين والأجانب، بعد ترميمها وإعدادها للزيارات السياحية وتتميز مباني تلك القصور بالجمال والزخرفة وعبق الدولة الفاطمية الباهر الجمال.

ولعل من أجمل هذه القصور قصر محمد علي الصغير، أو ما يطلق عليه قصر المنيل، فهو يعد من أجمل وأهم المتاحف التاريخية، فهو يعبر عن فترة مهمة من تاريخ مصر الحديث، ويعكس صورة حية لما كانت عليه حياة أمراء الأسرة الملكية السابقة، ويصورها بعناية فائقة.

وهذا المتحف ينفرد عن باقي متاحف القصور التاريخية بتصميمه المعماري الرائع، فقد بني على طراز إسلامي حديث مقتبس من المدارس الإسلامية الفاطمية والمملوكية، تتزين فيه الروح الفارسية  مبانيه والتي تحاكي في الأساس الطراز العثماني.
زهرة اللوتس « برج القاهرة « يشهد برج القاهرة حالياً عملية ترميم شاملة تقوم بها محافظة القاهرة في إطار حرصها على أن يظل البرج عنواناً ورمزاً لهاً و مزاراً سياحياً يتوافد عليه ملايين السياح سنوياً لمشاهدة معالم القاهرة كلها وحتى مسافة خمسة كيلومترات على مرمى البصر.

ويعد برج القاهرة هو الرابع في العالم من حيث الطول حيث يصل إرتفاعه إلى نحو 187 متراً و بناه المصريون على شكل زهرة اللوتس الفرعونية رمزا للحضارة المصرية.

تماثيل العاصمة
وتعتبر التماثيل في مصر قديمة قدم الحضارة الفرعونية حيث أن هناك الآلاف من التماثيل في المتاحف والمعابد إضافة إلى الأعمال الفنية الحديثة المنتشرة في الميادين والساحات العامة في كبريات المدن المصرية.

وقد شملت أعمال الترميم التي قامت بها محافظة القاهرة تمثال سعد زغلول ومحمد فريد وطلعت حرب وأحمد ماهر ومصطفى كامل إضافة إلى الأسود الأربعة الرابضة عند مدخل ومخرج كوبري قصر النيل. وصنعت تلك التماثيل من البرونز بناء على أوامر الخديوي إسماعيل الذي اختار السباع لأنه كان يلقب بأبي السباع فتم نحتها في إيطاليا خصيصاً , و الجدير بالذكر أن تكلفة نحت هذه التماثيل و شحنها إلى الإسكندرية قد بلغت نحو 8425 جنيهاً مصرياً في ذاك الوقت.

والملاحظ أن جميع التماثيل التي طالها الترميم قد غطت بالملاءات البيضاء بعد صدور قرار عن محافظ العاصمة بتنفيذ خطة لصيانتها وتجديدها في إطار حملة لتجميل شوارع و ميادين القاهرة.

وتأتي خطوة الترميم بعد نجاح تجربة المحافظة في ترميم تمثال إبراهيم باشا وتطوير دار الأوبرا العام الماضي.
ويقول الدكتور عبد العظيم وزير محافظ القاهرة أن جهاز التنسيق الحضاري سيتولى الإشراف الكامل على عملية إضاءة وإنارة التماثيل بما يساعد على إظهارها بشكل لائق.

من جانبه ذكر اللواء علي هلال رئيس قطاع المشروعات في المجلس الأعلى للآثار أن المحافظة رصدت ميزانية خاصة لعملية الترميم وطلبت الإستعانة بالفنيين لإتمامها متوقعا أن تنتهي أعمال الترميم خلال ستة أشهر.

حكاية أقدم مريض في العالم
أبو الهول أقدم آثار العالم علي الرغم من أنه يقطن بالجيزة كما الأهرامات إلا أنهم يدخلون ضمن نطاق القاهرة الكبري، لذا كان من الضروري عدم إغفالهم في هذا الموضوع، ونبدأ بأبو الهول الذي عاد إلى واجهة الأحداث عقب إعلان أبرز علماء المصريات وباحث بريطاني أن ما تم من علاج سابق لأقدم مريض في العالم كان أشبه بإعطائه أقراصاً من الأسبيرين , ومنذ أن نحت أبو الهول التمثال الضخم بوجة إنسان - الملك خفرع- وجسم أسد رابض بقرب الأهرام منذ نحو 4500 عام كان معظم الوقت مدفونا حتى رقبته في الرمال التي حمته غوائل الزمن . ومنذ إكتشافه في العصور الحديثة تحول أبو الهول إلى فريسة للرياح والمياه والإنسان لأن الأحجار الجيرية المنحوت منها التمثال تآكلت بفعل المياه الجوفية والرياح الرملية. وقد وقع الأثر الفرعوني الذي يبلغ طوله 48 متراً ضحية عمليات الترميم الخاطئة، كما يقول الدكتور زاهي حواس بأن محاولة ترميمه في الفترة من 1982 إلى 1987 كان ضررها أكبر من نفعها لأنها إستخدم فيها الأسمنت وبطريقة بشعة للغاية بسمك حوالي 3 أمتار كما يضيف أن عمليات الترميم التي تمت بعد ذلك لم تستخدم فيها المواد الكيماوية،بل رمم التمثال باستخدام المواد الطبيعية،وهي عبارة عن الحجر الرملي والجير بنسبة واحد إلى ثلاثة ليعود أبو الهول حامي الأهرامات إلى مكانه يتحدى الزمن والطبيعة .

أهرمات الجيزة
خضعت أهرامات الجيزة لأعمال الترميم والإصلاح على نطاق علمي مدروس ويعود تاريخ بناء الأهرامات إلى نحو أربعة آلاف وخمسمائة عام، وقد روعي في ترميم الأهرامات عدة أشياء هامة وهي الإضاءة حيث لم تكن مناسبة للزائرين سابقاً وأيضاً أغقلت كل الثقوب والشقوق في الجدران باستخدام الرمل والماء وطباشير الصخور، وهي نفس مواد البناء التي استخدمها المصريون القدماء في أعمال الترميم وقد زوُِّدت الأهرامات أيضاً بكاميرات لمراقبة من يرسمون الصور ويكتبون الشعارات (الجرافيتي) على الجدران من السياح وكانت الرسومات التي تدخل فيها أصباغ التجميل من المشاكل الكبيرة التي تواجهها إدارة الأهرامات لأن الزيت الداخل ضمن مكونات هذه الأصباغ تمتصه جدران الأهرامات وتصبح إزالته صعبة جداً.

شارع المعز لدين الله
شارع المعز لدين الله الفاطمي هو من أقدم الشوارع في العالم وعمره يناهز ‏1040‏ سنه وهو منذ أنشيء لم يتغير إسمه ويعتبر واحداً من أهم الشوارع في القاهرة الفاطمية القديمة ويحتوي علي‏33‏ أثراً يبدأ من باب الفتوح وينتهي بباب زويله وعلي جانبيه‏31‏ أثراً بخلاف أنه محاط بـ ‏170‏ أثراً , ورغم أهميه الشارع التاريخية وما يحويه من كنوز يعاني من مشاكل كثيرة فالآثار التي توجد حوله كانت في حاجه إلي ترميم علمي مدروس يحمل أقصي درجات الإهتمام , والتباطؤ في أعمال الترميم يعني فقدان العديد من المباني الآثريه وخاصة أن عدداً كبيراً منها في حالة سيئة ولذلك بدأ العمل لحصر ما هو موجود بشارع المعز وما حوله فأظهرت الدراسة أن هناك‏147‏ أثراً بهذه المنطقة في حاجة ملحة للترميم السريع.
وشارع المعز يحمل عبق حضارات عدة منها الفاطمية ثم الأيوبيه والمملوكية البحرية والمملوكية الشركسية والعثمانية وأسرة محمد علي وفي القاهرة القديمة بعض الآثار الفاطمية في شارع المعز ولكن الباقي يقبع تحت الأرض , فهناك مدن فوق مدن ولذلك لابد أن يكون هناك من يدرس الطبقات .
ومن هنا بدأ مشروع الترميم بأعمال المراجعة العلمية والحصول علي المعلومات وتحليلها، ثم بدأت الخطة بترميم‏47‏ أثراً تم تنفيذها، ثم ‏26‏ أثراً في مرحلة الإعداد، ثم ‏44‏ أثراً بمرحلة الدراسات فالمرحلة الرابعة والتي تضم‏33‏ أثراً في مرحلة التجميع‏.‏وقد كان نتيجة هذا المنهج أن الترميم بدا مناسباً لطبيعة آثار هذا الشارع العريق.

الآثار والمساجد الإسلامية
مسجـد عمـرو بن العاص هو أول مسجد تم بناؤه في إفريقيــا وذلك عام ‏21‏ هـ ‏641‏ ميلاديه‏ ,‏ وتمثل الترميم في إعـــادة إيوان القبلة إلي التخطيط الأصلي بالنسبة لعمارة المساجد‏,‏ كما تم عمل مشروع لتخفيض منسوب المياه الجوفية بالمسجد بالكامل  بالإضافة إلي أعمــال الترميم الدقيق لجميــع العناصــر الزخرفية فيه وأعمــال الترميم المعمــاري وتنسيق الموقع المحيط به وبلغت تكلفــه المشروع الذي بدأ منذ ‏6‏ سنوات‏ 17‏ مليون جنيه‏.‏
كما تم تصعيد عمليات الترميم للعديد من المشروعات منها علي سبيل المثال مسجد الأمير صرغتمش الذي بني‏(‏عام‏757‏ هـ ‏1356‏م‏)‏ ويعود إلي العصر المملوكي البحري ومجاور لمسجد أحمد بن طولون وهو من المساجد الأثرية التي تأثرت بزلزال ‏1992,‏ كما سيتم إفتتاح مشروع ترميم مسجد قايتباي المحمدي الذي بني‏(‏عام‏1816‏م-‏1413‏هـ‏)‏ في العصر المملوكي الشركسي في شارع الصليبه بالسيدة زينب‏,‏ وقد تم خلال مشروع الترميم الكشف عن مائتي عــام ليعــــود إلي تخطيطـــه الأصــلي‏.‏
ولقد تم ترميم‏ 148‏ آثراً إسلامياً وإعادة صياغتها‏,‏ ويجـــري العمـــل الآن في ترميـــــم‏ 115‏ آثرا‏ً وبانتهاء العمل الجاري الآن‏ ستكتمل القاهرة التاريخية‏.‏ وستضم المساجد الأثريه والكتاتيب وسيصبح لدينا زخم معماري وتراثي هائل يسهم في الترويج السياحي‏.

بوابة زويله
من أقدم البوابات في القاهرة , وهي قطعة فنية ترجع إلى عهد ما قبل الحملات الصليبية، يبلغ وزن أبوابها حوالي أربعة أطنان، وقد تكلفت إعادة ترميم وبناء البوابات بها إلى حوالي أكثر من 4 ملاين دولار واستغرق ترميمها خمس سنوات تقريباً وكان قد تم خلال عملية التجديد الكشف عن المدخل الرئيسي للبرج، والذي كان مدخلاً سرياً. وتم أيضاً الكشف عن الحاملات البرونزية للألواح الخشبية للبوابة.
الكنيسة المعلقة
تقع الكنيسة المعلقة في منطقة حصن بابليون، وهي تعد من أشهر كنائس القاهرة ويطلق عليها اسم المعلقة لأنها مشيدة فوق بوابة الحصن الجنوبية. وتبلغ مساحة الكنيسة 23.5 متر طولاً 185 متر عرضاً و 95 متر إرتفاعاً، وقد أعيد ترميمها بشكل يناسب عظمة هذا البناء الرائع. وقد عثر بالكنيسة على تابلوه خشبي من القرن الخامس أو السادس الميلادي مرسوم عليه منظر دخول السيد المسيح لمدينة أورشليم منتصراً. ويقام بها أيضاً الإجتماعات لتحديد تاريخ عيد القيامة أو لمحاسبة الكهنة.