|
 |
وقد كان مؤسسه" اللورد امبان " يتمتع بحس معماري
هندسي عال، فهو من أنشأ ”مترو باريس“ أقدم مترو
على الأطلاق، وهو من أدرك بذكائه أن المشروع الذي
سيقوم به مستقبلاً هو من سيساعده في البقاء بمصر
التي يعشقها طويلاً، كما أنه أكثر ربحاً من أي شيء
آخر، والذي كان يتمثل بإنشاء مدينة سكنية في منطقة
فرعونية قديمة والتي كانوا يطلقون عليها
”هليوبوليس“ أو أرض الشمس
وعرض المشروع على
الحكومة المصرية التي وافقت عليه وبلا تردد، إذ ما
الذي ستخسره في بيع منطقة صحراوية بعيدة جداً
حينها عن القاهرة، التي كانت حدودها تنتهي عند
منطقة العباسية وبمقابل جنيه واحد للفدان آنذاك. |
| |
|
وفكر الرجل في وسيلة لجذب الناس
إلى المنطقة التي أسماها ”مصر الجديدة“ فأنشأ لذلك
”مترو“ ما زال يعمل ليومنا هذا، وأسس شركة
رأسمالها مليونا جنيه بدأ من خلالها في بناء
المنازل التي تحيطها الحدائق الرائعة والمرافق
العامة وبناء فندق ”هليويوس“ أول فنادقها فيها،
والذي ضم مؤخراً إلى قصور الرئاسة المصرية
الحالية. وقد صمم المدينة على الطراز البلجيكي
الكلاسيكي، ثم عرضها للإيجار بأسعار زهيدة. |
وبأقل من سنتين تحولت تلك
المساحة الصحراوية البعيدة المهجورة إلى قطعة من الفردوس
المحتوي على جميع متطلبات ومستلزمات الحياة العصرية حينذاك
من مدارس وحدائق ودور سينما ومتاجر وفنادق وما إلى ذلك..
بمجرد اختيار المليونير
البلجيكي للمكان الذي سيعيش فيه -وهو الطريق الصحراوي شرق
القاهرة- عكف البارون "إمبان" على دراسة الطراز المعماري
الذي سيشيد به بيته في القاهرة. ولأن البارون كان مهتماً
أيضاً بفن العمارة فقد اتخذ قراراً بأن يقيم قصراً لا مثيل
له في الدنيا كلها. و
بقي اختيار الطراز المعماري مشكلة تؤرق البارون حتى عثر
على ضالته المنشودة داخل أحد المعارض الفنية في العاصمة
الفرنسية، ففي هذا المعرض وقعت عيناه على تصميم لقصر غاية
في الروعة أبدعه المعماري الفرنسي Alexandre Marcel
ألكساندر مارسيل كان التصميم شديد الجاذبية وكان خليطاً
رائعاً بين أسلوبين معماريين أحدهما ينتمي إلى قصر عصر
النهضة خاصة بالنسبة للتماثيل الخارجية وسور القصر
أما القصر نفسه فينتمي إلى الطراز الكمبودي بقبته
الطويلة المحلاة بتماثيل بوذا . لم يتردد البارون "إدوارد
إمبان" للحظة.. اشترى التصميم من "مارسيل" وعاد به إلى
القاهرة، وسلم التصميم لعدد من المهندسين الإيطاليين
والبلجيك ليشرعوا في بناء القصر على الربوة العالية التي
حددها لهم البارون في صحراء القاهرة. وقد قام بزخرفته
Georges-Louis Claude جورج لويس كلود (1879 - 1963 )
وأكتمل البناء عام 1911(1).
وبعد خمس سنوات.. خرجت التحفة المعمارية من باطن
الصحراء. وأصبح قصر فخم
جملت شرفاته بتماثيل مرمرية على شكل أفيال، وبه برج يدور
على قاعدة متحركة دورة كاملة كل ساعة ليتيح للجالس به
مشاهدة ما حوله في جميع الاتجاهات.
ليلة الافتتاح
في يوم افتتاح القصر دعا البارون امبان السلطان حسين
كامل الذي انبهر عندما صعد إلى البرج ولم يصدق عينيه،
فالقاهرة كلها أمامه ، ورأى السلطان حسين أهرامات الجيزة
من مكانه من فوق البرج.وتملكت الغيرة من قلب سلطان مصر،
ورفض أن يكون في عاصمة ملكه ما هو أعلي وأجمل من قصره
فأوحى للبارون أن يهدي القصر إليه ولكنه اعتذر في أدب جم
فخرج السطان غاضباً ولم يجد البارون امبان أمامه حلاً سوي
بناء قصر آخر مجاور لقصره وإهدائه لسلطان البلاد.
ونفذ البارن امبان الفكرة وبني قصراً ثانياً في
زمن قياسي وأهداه للسلطان حسين كامل ولكن السلطان رفض
الهدية وأصر علي إهدائه القصر الأصلي واعتبر امبان خارجاً
علي طاعته،وأمام غضبة السلطان غادر البارون مصر حتي تهدأ
الأمور. وبعد شهور قليلة تبدلت الأوضاع في مصر، وعاد
البارون امبان من جديد إلى مصر .
يقع القصر على مساحة 125
ألف متر² ، ويتكون القصر من طابقين وبدروم (الطابق أسفل
الأرضي)، وبرج كبير شيد على الجانب الأيسر يتألف من 4طوابق
يربطها سلم حلزوني تتحلى جوانبه الخشبية بالرخام، وعلى
درابزين (سور) السلالم نقوش من الصفائح البرونزية مزينة
بتماثيل هندية دقيقة النحت.ويتكون الدور الأرضي من صالات
ضخمة تحتوي على عدد كبير من الأبواب والشرفات.وفي قاعة
المائدة توزعت رسوم مأخوذة من مايكل أنجلو ودافنشي و
رامبرانت وحمل كل ركن من الأركان الأربعة عموداً يحمل
تمثالاً رفيع الصنع من التماثيل الهندية الثمينة .
أما البدروم (الطابق أسفل الأرضي) ، فيضم مجالس واسعة،
وأماكن إقامة الخدم، وأفراناً ضخمة، ومغاسل رخامية وتتصل
غرفة بحجرة الطعام عن طريق مصعد غاية في الفخامة مصنوع من
خشب الجوز• وعلى جدران
قاعة المائدة رسوم مأخوذة من مايكل أنجلو، وليوناردو
دافنشي، ورامبرانت وأرضيات الحجرات من الباركيه، وكل غرفة
لها حمامها الخاص، تكسو جدرانه بلاطات مصنوعة من الفسيفساء
ذات الألوان الزرقاء البرتقالية والحمراء في تشكيلات لونية
بديعة•وبسلم رخامي مزين بدرابزين يضم تماثيل هندية صغيرة
دقيقة الصنع والصنعة نصعد إلى الطابق الثاني الذي يتألف من
صالة كبيرة و35 غرفة نوم لكل منأما الطابق الثاني من القصر
فيحتوي على عدة غرف واسعة تطل على شوارع القصر الأربعة
لكل منها حمامها الخاص الذي تكسوه بلاطات من الفسيفساء أما
سطح القصر الأسطوري، فقد كان أشبه بمنتزه يستخدم في بعض
الحفلات التي يقيمها البارون، وجدران السطح عليها رسوم
نباتية وحيوانية، وكائنات خرافية ، ويصعد إليه بواسطة سلم
مصنوع من خشب الورد الفاخر، فقد كان أشبه بكافتريا كانت
تضم موائد كبيرة وكانت جدران السطح مزينة برسوم نباتية
وحيوانيةفي إطار النسق العام للتصميمات الدقيقة سواء في
البنيان أو الديكور أو الحليات الجدارية أو حتى في
التماثيل أما برج القصر فإنه يتحرك ليدور حسب اتجاه الشمس
حيث إنه مثبت على قاعدة
دوارة يديرها محركان، فتلف كل ساعة لفة كاملة، تجعل من
يجلس بداخل هذا البرج يشاهد ما حوله دون أن يتحرك من مكانه
وهو يستمتع بالهدوء والجمال من عراقة واتساق.
اللحظات الأخيرة
بالتأكيد كانت أسعد لحظات
حياة البارون 'امبان' هي لحظة إنتهائه من إنشاء المدينة
الجديدة 'مصر الجديدة' التي تميزت بطابع معماري راق..
ولكن! كما يقولون: السعادة عمرها قصير.
فقد شعر البارون 'امبان' وسط أفراحه بإنتهاء مشروعه
العملاق بآلام رهيبة تنهش جسده.. وطار الرجل إلي باريس
ليكتشف إصابته بالسرطان
وعبثاً حاول الأطباء الفرنسيون تخفيف آلام المليونير
البلجيكي والذي سلم بمصيره وقدره.. وقرر العودة بأقصي سرعة
ليرتاح الراحة الأبدية في معشوقته مصر.. وبالفعل عاد
البارون 'امبان' إلي محبوبته واغمض عينيه للمرة الأخيرة.
مات البارون 'امبان'. وبناء علي وصيته تم دفنه في ساحة
كنيسة 'البازليك' القريبة من قصره الرائع والمتصلة.وقد
عاني القصر نصف قرن من الزمان وجدرانه تقاوم الإهمال
والتردي دون سند أو معين. ..سنوات وسنوات.. لم يسمع أحد
صوت أنين القصر البديع الذي كان يشبهونه بالمبتسم في الليل
الضاحك في النهار.. للأسف ذبلت الابتسامة بفعل فاعل..
ودفعت تلك الأجواء الغامضة التي أحاطت بالقصر المهجور
جماعات من الشبان المصريين في منتصف عام 1997 في حادثة
شهيرة إلى التسلل إلى القصر ليلاً ، وإقامة حفلات ماجنة ،
إذ كانوا يرقصون ويغنون على أنغام موسيقى الهيفي ميتال
الصاخبة، ويلطخون جدرانه بدماء القطط والكلاب حيث ألقت
الشرطة المصرية القبض عليهم لتفجر أول قضية من نوعها ، وهي
ما عرفت بتنظيم "عبدة الشيطان" وهذا هو سبب الأساطير التي
ترددت من قبل الجيران حول ما مشاهدتهم أضواء ساطعة، وصخباً
وضجيجاً ورقصاً كل ليلة داخل القصر وموسيقى تنبعث منه .
مأساة قصر البارون الممتدة علي مر العصور.. دفعت بقرينة
رئيس الجمهورية الي وضع حد لأحزان قصر المليونير البلجيكي
مؤسس حي مصر الجديدة.. أعلنت سوزان مبارك الحرب علي الفوضي
واللامبالاه المسيطرة علي أمر قصر البارون وقررت من خلال
جمعية تنمية خدمات مصر الجديدة تبني مشروع لتطوير وترميم
القصر.
ومن هنا.. كانت بداية انقاذ قصر البارون. |